أبو حامد الغزالي

184

تهافت الفلاسفة

مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره ويعلم الأنواع والأجناس بنوع كلى فنقول : أما المسلمون لما انحصر عندهم الوجود ؛ في حادث وقديم ، ولم يكن عندهم قديم إلا اللّه سبحانه وصفاته ، وكان ما عداه حادثا من جهته بإرادته ، حصل عندهم مقدمة ضرورية في علمه ، فإن المراد - بالضرورة - لا بد أن يكون معلوما للمريد ، فبنوا عليه أن الكل معلوم له ، لأن الكل مراد له ، وحادث بإرادته ، فلا كائن إلا وهو حادث بإرادته ، ولم يبق إلا ذاته . ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو حي بالضرورة ، وكل حي يعرف غيره ، فهو بأن يعرف ذاته أولى ، فصار الكل عندهم معلوما للّه تعالى ، وعرفوه « 1 » بهذا الطريق ، بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم . فأما أنتم ، إذا زعمتم : أن العالم قديم ، لم يحدث بإرادته ، فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته ؟ ! ، فلا بد من الدليل عليه . وحاصل ما ذكره « ابن سينا » في تحقيق ذلك ، في أدراج « 2 » كلامه ، يرجع إلى فنين . الفن الأول : أن الأول موجود لا في مادة ، وكل موجود لا في مادة فهو عقل محض وكل ما هو عقل محض ، فجميع المعقولات مكشوفة له ، فإن المانع عن إدراك الأشياء كلها ، التعلق بالمادة ، والاشتغال بها ، ونفس الآدمي

--> ( 1 ) يعنى « العلم » . ( 2 ) يقال « أنفذته في درج كتابي » ، بسكون الراء أي في طيه .